المقريزي

37

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

أن يجلس على سرير الملك ، ويتسمى بالسلطان ، فمنع من لعب النوروز ، وهدّد من لعبه بالعقوبة ، فانكف الناس عن اللعب في القاهرة ، وصاروا يعملون شيئا من ذلك في الخلجان ، والبرك ، ونحوها من مواضع التنزه ، بعد ما كانت أسواق القاهرة تتعطل في يوم النوروز زمن البيع والشراء ، ويتعاطى الناس فيه من اللهو واللعب ما يخرجون عن حدّ الحياء والحشمة إلى الغاية من الفجور والعهور ، وقلما انقضى يوم نوروز إلّا وقتل فيه قتيل أو أكثر ، ولم يبق الآن للناس من الفراغ ما يقتضي ذلك ، ولا من الرفه والبطر ما يوجب لهم عمله ، وما أحسن قول بعضهم : كيف ابتهاجك بالنوروز يا سكني * وكل ما فيه يحكيني وأحكيه فتارة كلهيب النار في كبدي * وتارة كتوالي دمعتي فيه وقال آخر : نوروز الناس ونورزت ولكن بدموعي * وذكت نارهم والنار ما بين ضلوعي وقال آخر : ولما أتى النوروز يا غاية المنى * وأنت على الأعراض والهجر والصدّ بعثت بنار الشوق ليلا إلى الحشا * فنورزت صبحا بالدموع على الخدّ ذكر ما يوافق أيام الشهور القبطية من الأعمال في الزراعات ، وزيادة النيل ، وغير ذلك على ما نقله أهل مصر عن قدمائهم واعتمدوا عليه في أمورهم اعلم : أنّ المصريين القدماء اعتمدوا في تاريخهم السنة الشمسية كما تقدّم ذكره ليصير الزمان محفوظا ، وأعمالهم واقعة في أوقات معلومة من كل سنة ، لا يتغير وقت عمل من أعمالهم بتقديم ولا تأخير البتة . توت : بالقبطيّ هو أيلول ، وكانت عادة مصر مذ عهد فراعنتها في استخراج خراجها ، وجباية أموالها إنه لا يستتم استيفاء الخراج من أهلها ، إلّا عند تمام الماء ، وافتراشه على سائر أرضها ، ويقع إتمامه في شهر توت ، فإذا كان كذلك ، وربما كانت زيادة عن ذلك أطلق الماء في جميع نواحيها من ترعها ، ثم لا يزال يترجح في الزيادة والنقصان ، حتى يفرغ توت ، وفي أوّل يكون يوم النوروز ، ورابعه أوّل أيلول ، وسابعه يلقط الزيتون ، وثاني عشره